24-مارس-2024
استهداف الشرطة الفلسطينية

أصبحت الشرطة الفلسطينية هدفًا للاعتداءات والاغتيالات من قبل الاحتلال الإسرائيلي. وكان من بين ضحايا هذه الاعتداءات مدير مباحث شمال غزة، رائد البنا، ومدير العمليات في شرطة غزة، فائق المبحوح، اللذان كانا مسؤولين عن تأمين دخول المساعدات إلى شمال القطاع.

تأتي هذه الاعتداءات بعد أسبوع واحد فقط من اغتيال الضابط المدني، محمد أبو حسنة، الذي ادعى الجيش الإسرائيلي أنه قائد في حركة "حماس"، في حين أكدت الحركة أنه يشغل منصبًا في الشرطة.

ونقل الباحث الفلسطيني مصطفى إبراهيم نفي عائلة الضابط لارتباطه بالمقاومة، مشيرًا إلى تلقيه تهديدًا عبر اتصال هاتفي من الجيش الإسرائيلي قبل استهدافه.

ووثّقت وحدة التحقّق من خلال المصادر المفتوحة، في "التلفزيون العربي"، استهدافات الاحتلال لأفراد الشرطة الفلسطينية، وكشفت عن فشل المُخطّط الإسرائيلي الهادف لفرض سلطة جديدة للعشائر في قطاع غزة.

وفيما يتعلق بتحليل موقع اغتيال الضابط محمد أبو حسنة، استنادًا إلى المعالم الظاهرة في الفيديو، توضح الإحداثيات أن الموقع يعود إلى مقر "الأونروا" في حي المسلخ جنوب رفح. تبعد هذه النقطة عن الحدود الفلسطينية المصرية مسافة 1.15 كيلومتر فقط، وتبعد 5.5 كيلومتر عن أقرب نقطة حدودية مع معبر كرم أبو سالم، الذي يعتمد عادةً لعبور شاحنات المساعدات.

صور الأقمار الصناعية بين شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر الماضيين، تُظهِر تكدّس النازحين في منطقة الاغتيال، ما يعني استهداف الاحتلال لضابط مدني في مؤسسة إغاثة دولية في منطقة مكتظة بالنازحين

وتُظهِر صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين 12 تشرين الأول/أكتوبر و5 تشرين الثاني/نوفمبر الماضيين، تكدّس النازحين في منطقة الاغتيال، ما يعني أنّ الاحتلال استهدف ضابطًا مدنيًا في إحدى مؤسسات الإغاثة الدولية، وفي منطقة مكتظّة بالنازحين.

وبالبحث عن استهداف الاحتلال لقوى الأمن المدني الفلسطيني، رصد فريق "العربي" عددًا من الاستهدافات منذ بداية العام الحالي. ففي 16 شباط/فبراير الماضي، وثّق الصحفي الفلسطيني حسن إصليح استشهاد ستة من عناصر الشرطة بعد استهداف سيارتهم.

وبناءً على المعالم الظاهرة في الفيديو، حدّد الفريق موقع الاستهداف في شارع طه حسين بالقرب من مسجد حمزة بن عبد المطلب في مدينة رفح، وتحديدًا عند هذه الإحداثيات.

وتكرّر الأمر نفسه في العاشر من الشهر نفسه، حين وثّق مقطع فيديو عملية اغتيال مدير مباحث رفح أحمد اليعقوبي ونائبه أيمن الرنتيسي، وإبراهيم شتات رئيس قسم مباحث التموين جراء قصف جيش الاحتلال لمركبتهم في حي تل السلطان غربي رفح، الذي يقع عند هذه الإحداثيات. وهي الجريمة التي اعترف بها جيش الاحتلال، حيث نشر أدرعي مقطع فيديو يوثّق الواقعة عبر حسابه على "إكس".

وفي اليوم نفسه، تمّ توثيق استهداف الاحتلال لسيارة تابعة للشرطة المدنية في رفح، واستشهاد فردين من الشرطة هما سامي عبد العالم ومنذر الفرا.

وبتحديد موقع هذا الاستهداف، تبيّن أنّه يقع في شارع العروبة بحيّ البرازيل جنوب المدينة، الذي يُعَدّ طريقًا رئيسيًا لممرّ الشاحنات.

وجمع فريق "العربي" بيانات الاستهداف الثلاثة، وتبيّن أنها تقع في مثلّث مساحته الإجمالية 3.09 كيلومترات مربّعة، ويضمّ أيضًا منطقة استهداف الضابط محمد أبو حسنة. كما أنّ الاستهدافات تشابهت بطريقة تنفيذها التي اعتمدت على المقذوفات عبر مسيّرات دقيقة.

وتأتي هذه التواريخ بعد شهرٍ تقريبًا من إعلان جيش الاحتلال عن مخطّطه بالانتقال إلى المرحلة الرابعة من الحرب على قطاع غزة، والتي ستشهد انتقال الحكم في غزة إلى الإدارة المدنيّة المستقلّة المشكَّلة من العشائر التي قد تتعاون مع الاحتلال.

ولاحظ فريق "العربي" تباعد الفترات الزمنية بعد أحدث استهداف للشرطة في رفح، واستهداف أبو حسنة، وهو ما يمكن أن نعزوه إلى الموقف الأميركي المتخوّف من ذلك المخطّط.

ففي 16 شباط/فبراير، أقرّ مبعوث الولايات المتحدة الخاصة للقضايا الإنسانية ديفيد ساترفيلد، لأول مرة، باستهداف الاحتلال لأفرادٍ من الشرطة كانوا يحرسون شاحنات المساعدات.

كما أبدت الإدارة الأمريكية تخوّفها من تحوّل غزة إلى مقديشو جديدة، مطالبةً إسرائيل بالتوقّف عن استهداف أعضاء الشرطة المدنية التي تُديرها "حماس"، والذين يرافقون شاحنات الإغاثة في غزة.

ودفعت الاستهدافات المتكررة لعناصر الشرطة برنامج الأغذية العالمي إلى تعليق تسليم المساعدات الغذائية إلى شمال غزة مؤقتًا حتى توافر الظروف التي تسمح بالتوزيع الآمن، ما ترتّب عليه انخفاضًا بنسبة 50 % في الإمدادات التي دخلت غزة في شهر فبراير مقارنة بشهر كانون الثاني/يناير.

رفضت العشائر عرض الاحتلال، فحاول الضغط من خلال استهداف كوادر الشرطة، إلا أنّ ردّ الفصائل الفلسطينية جاء بتصريحاتٍ تؤكد رفض التدخّل الخارجي، وثمّنت حركة "حماس" هذا الرفض في بيان على منصّة تلغرام

وظهرت خطة إسرائيل إلى العلن في بداية شهر آذار/مارس، حين كثّف الاحتلال لقاءاته مع زعماء عشائر غزة لإقناعهم بلعب دورٍ في إدارة غزة.

ورفضت العشائر عرض الاحتلال، فحاول الضغط من خلال استهداف كوادر الشرطة. لكنّ ردّ الفصائل الفلسطينية جاء في نفس يوم اغتيال أبو حسنة، بتصريحاتٍ تؤكد رفض التدخّل في الشأن الفلسطيني، وهو ما ثمّنته حركة "حماس" في بيان على منصّة تلغرام.

وفي الساعات الأولى من صباح 17 آذار/مارس، دخلت 13 شاحنة طحين عبر شارع صلاح الدين، وبتأمين من أجهزة الأمن في حكومة غزة، وبالتعاون مع عشائر فلسطينية.

وهذا الإخفاق في تنفيذ مخططه، دفع الاحتلال في اليوم التالي إلى اقتحام مستشفى الشفاء التي شهدت اجتماع العشائر للتنسيق مع الأمن من أجل ضمان وصول المساعدات للشمال، واغتيال العميد فائق المبحوح، ومن ثمّ اغتيال الرائد البنّا.

وتخرق سياسة الانتقام التي يتّبعها جيش الاحتلال الإسرائيلي، القوانين الدولية التي تحظر إعاقة مهام حفظ الأمن، حيث تمنع المادة الـ54 من اتفاقية جنيف الرابعة دولة الاحتلال من تغيير وضع القضاة والموظفين أو عقابهم.

كما يُخالف سلوك الاحتلال المادة الـ54 من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، اللتين تحظران منع تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية.

ما توصّل إليه فريق "العربي" بتحليل وقائع استهداف رجال الشرطة، هو جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الحافل بانتهاكات لم تستثن أي طبقة أو وظيفة أو فئة، وتتوالى أمام أنظار العالم.