22-سبتمبر-2023
مسلسل سفاح الجيزة، أحمد فهمي بوستر المسلسل

بوستر المسلسل وبطله أحمد فهمي (الترا صوت)

انتهى بث حلقات مسلسل "سفاح الجيزة" التي عُرضت آخر حلقتين منه في الـ15 من أيلول/ سبتمبر على منصة "شاهد". ومما لا شك فيه أن المسلسل حقق أصداء إيجابية جماهيرية، وتصدّر نسب المشاهدة خلال فترة عرض حلقاته 8.

المسلسل من تأليف محمد صلاح العزب وعماد مطر، وسيناريو وحوار إنجي أبو السعود، ومن إخراج هادي الباجوري. وهو ينتمي إلى ما بات يصطلح على تسميته بـ"دراما المنصات الرقمية"، وهو مصطلح لا يفضي فقط إلى اختلاف منطق المشاهدة التلفزيونية الكلاسيكية، بل يشتمل على مقاييس ومعايير محددة تطال السيناريو والإخراج وحتى التمثيل. 

يبدو بطل المسلسل أقرب إلى سفّاح هوليوودي يعبِّر عن رغبة صنّاعه بتقديم "سفّاح" بمقاييس عالمية، ومنح جرائمه مواصفات غير متوفرة في الشخصية الحقيقية

تتجلى هذه المقاييس والمعايير، بشكلها الأوضح، في التكثيف وشد وتر الأحداث والابتعاد، قدر الإمكان، عن شرط الحلقة التلفزيونية الزاخرة بالمقدمات، والتمهيد للعلاقات بين الشخصيات، ومشاهد الربط والوصل التي عادة ما تكون طويلة لا أهمية لها في سياق الأحداث، والالتزام بصرامة بجوهر الحكاية، ونسج العلاقات بطريقة منحازة للكثافة السينمائية، واستخدام التشويق كأداة حاسمة في بناء السيناريو، وربط الأحداث كذلك.

ويمكن القول إن الاستخدام الجديد لأسلوبية التشويق تخضع، بشكل كبير، لمعايير استهلاكية فرضتها أشكال المشاهدة الحديثة التي تفترق بشكل كبير عن أنماط المشاهدة التلفزيونية الكلاسيكية. وإلى جانب المعايير والمقاييس المصاغة بعناية، لناحية معالجة الحكاية الدرامية وتفكيكها إلى سيناريو ومشهديات، تظهر أيضًا معايير ملزمة للإخراج الفني وأنماط الأداء التي تجعل من هذه الحكاية تنتمي إلى نمط العرض الرقمي على المنصات، ومن أهم مظاهرها: عولمة الملامح البيئية للحكاية، واستخدام المحلية بحدها الأدنى، والالتزام أكثر بالشرط الفني المناسب لسرد القصة أكثر من الشرط البيئي، بحيث يمكن لأي مشاهد في أي بلد في العالم متابعة السلسلة وفهمها والتفاعل معها دون الحاجة إلى معرفة السياق البيئي المولد للحكاية.

يتحقق ذلك من خلال عولمة المكان، واعتماد أحجام لقطات وبيئة لونية وهندسة إضاءة ذات طابع عالمي عام ينأى بنفسه عن الخصوصية المحلية لجذب أكبر عدد من المشاهدين. ويمكن تلخيص ذلك كله بالقول إن دراما المنصات هي إعادة فهم أدوات إنتاج الفنون البصرية في ضوء المتطلبات التجارية، وتطوير مفاهيم التسويق، وتقديم العمل الفني لمشاهد بمواصفات عالمية، وإعفاء الدراما من مهمة التأثير والتغيير الاجتماعي، وربطها بشكل رئيسي بالترفيه.

يؤكد ما سبق الشعبية المتزايدة في العالم العربي لعروض مسلسلات المنصات من مختلف بقاع الأرض على منصة "نتفليكس"، من الكوري إلى الإسباني إلى الإيطالي والألماني. وذلك يشير أيضًا إلى أن صناعة الدراما في العالم العربي بدأت بإجراء تحولات حقيقية على مستوى مفاهيم وأدوات الإنتاج الفني، مقتديةً بذلك بالتجربة الأمريكية. ولعل أوضح أشكال هذا التوجه المتعاظم، خلال السنوات القليلة الأخيرة، هو التوجه إلى إنتاج دراما عربية مأخوذة بهذه المقاييس، ومحاولة الوصول - مؤخرًا - إلى الشكل المثالي لدراما المنصات بالمعنى النموذجي.

ربما يمكن لمسلسل "سفاح الجيزة" أن يقدّم لنا مثالًا جيدًا جدًا عن طبيعة هذا التوجه، وعن الشروط الواجب أن يتحلى بها العمل التلفزيوني المنتمي لشرط العروض على المنصات، من خلال البحث عن الملامح البيئة في حكاية مصرية، خاصة وأن هذه الحكاية حقيقية، وشخوصها ليسوا من محض الخيال.

وسوف نلاحظ خلال مشاهدة الحلقات أن هناك استبعاد جاد للبيئة المكانية والعمرانية المصرية، وتوظيفها في سياق العمل بالحد الأدنى، إذ إن العمل بمجمله كان داخليًا مع بعض اللقطات الخارجية المحدودة، وقد يخيّل للبعض أن هذا من الحيل الإنتاجية لتقليل التكاليف. قد يكون هذا صحيحًا في الأعمال محدودة الميزانيات، وقد يكون العمل نفسه قد أُنتج حقًا بميزانية محدودة، لكن في الحقيقة هذا توجه تتبناه الصناعة الدرامية الحديثة لإبقائها معنية بشرطها الفني وعدم الخوض عميقًا في مواصفات الشخصية في محيطها البيئي، والتركيز على حضورها في الأحداث بما يخدم تقدم الحكاية، وتصاعد التشويق، فضلًا عن تقليل الشعور بالغرابة، وحدة الاختلاف بين العرض والمتلقي، والملامح البيئية في هذا السياق غير ناجعة بالمعنى التجاري. 

لذلك كان المسلسل زاخرًا بالكوادر العامة المفرطة في فنيته على مستوى الصوت والإضاءة والبيئة اللونية وحتى المؤثرات البصرية. فعلى سبيل المثال، كان هناك إفراط في استخدام لقطات المطر لتقديم أجواء مشحونة بالتشويق والخطر والرعب إلى الحد الذي فقد فيه قيمته الوظيفية وأمعن في الابتعاد عن البيئة المصرية الفقيرة نسبيًا بالأمطار.

ظهرت شخصية "سفاح الجيزة" في المسلسل وكأنه من أبناء الطبقة المتوسطة المتقدمة رغم أنه من منطقة عشوائيات شعبية لم تحضر في العمل

وهذا يقودنا إلى افتقاد إيقاع المكان في البيئة المصرية وتأثيره القوي على الشخصيات ومنطقها ومنطوقها. فمن المعروف أن الشخصية الحقيقية التي هي المرجع الرئيس لشخصية "سفاح الجيزة" من منطقة بولاق الدكرور، وهي منطقة عشوائيات شعبية. ومن المعروف أيضًا أن عشوائيات القاهرة متميزة بغزارة مفرداتها ذات النزعة التشبيهية أكثر من الوصفية، ناهيك عن موسيقى الكلام التي تميّز أبناء تلك المناطق، وهذا ما كان غائبًا بشدة، إذ ظهرت الشخصية على مستوى المنطق والمنطوق وكأنها من أبناء الطبقة المتوسطة المتقدمة. بل أكثر من ذلك، خيم إيقاع شخصية السفاح على العمل ككل، ومحى أي تأثير لإيقاع المكان، فظهرت الأماكن باردة رتيبة، وبخط مستقيم لا تعرجات أو صعود وهبوط فيه، فظهر المسلسل حكاية مصرية لا شيء مصري فيها سوى اللهجة. 

أما على مستوى بناء الشخصية الدرامية، فمن الواضح أن شخصية السفاح في المسلسل تختلف اختلافًا كبيرًا جدًا عن شخصية القاتل الحقيقي قذافي فراج. ورغم أن المسلسل استند على أجزاء من حكاية القاتل، لكنه مضى في صنع سفّاحه الخاص المناسب لحكاية المسلسل، دون أن يكون مُلزمًا بمواصفات الشخصية الحقيقية.

لقد ظهر كسفّاح هوليوودي وكأنه نسخة مصرية من سلسلة من أشهر القتلة المتسلسلين في تاريخ السينما، إذ قتل سفاح المسلسل أشخاصًا أكثر بكثير مما قتل سفاح الحكاية الأصلية، حيث قتل سفاح المسلسل قرابة السبع أشخاص، بينما السفاح الحقيقي متهم بأربع جرائم قتل فقط. ومع أن معظم ضحاياه الأربع قتلوا بالسم، لكن سفاح المسلسل لم يوفر طريقة من الذبح إلى الطعن إلى النحر والخنق. وهذ يحمله حمولة فكرية لم تكن متناسبة مع السياق الحقيقي الخاص به.

بدا الأمر وكأن هناك رغبة في صناعة سفاح بمقاييس عالمية، ومنح جرائمه مواصفات ذهنية وفكرية غير متوفرة في الشخصية الحقيقة، فمن يقتل بالسم هو شخص لا يتمتع بالشجاعة الكافية لينحر ضحاياه بالسكاكين والمفكات. وهنا لابد من الإشارة إلى أنه ثمة مغالطة فكرية بينة في إسباغ صفات القاتل المتسلسل على شخصية سفاح الجيزة، فهذا المصطلح، يشير بوضوح إلى جرائم متسلسلة ثمة رابط فكري أو ذهاني بينها، إذ لابد أن يكون ثمة قاسم مشترك بين الضحايا في طريقة القتل أو في أسبابه. وأرى أن تسمية قاتل متسلسل لشخصية غاب عنها المحفز الفكري للقتل، أو مظاهر الاحتجاج، ربما السياسي أو الاجتماعي الذي يمهد لظهور هذا النوع من القتلة؛ فيه الكثير من المبالغة والتجيير. 

هذه المحاولة لإسباغ صفة القتل التسلسلي على بطل الحكاية لم تكن مدروسة بالشكل العميق والكافي. لذلك رأيناه يقتل بالمجان، ودون أي دافع ولا حتى فلسفة خاصة تبيح له القتل. وهذا ما أبعد حكاية المسلسل عن الحكاية الحقيقية، وقرّبها أكثر من التصور النموذجي لدراما المنصات بعيدًا عن الخصوصية المصرية للحكاية. 

لا بد هنا أن نذكر أن الممثل أحمد فهمي الذي لعب شخصية "سفاح الجيزة" قد أدخل نفسه في تحد لسلوك طريق مغاير عن الطريق الذي اختطه في مشواره ككوميديان، لكن هذا جعلنا مجبرين بشكل أو بآخر على النظر إلى أدائه في المسلسل ليس من خلال طريقة لعبه لشخصية "سفاح الجيزة"، بل النظر إليها من خلال إحصاء الاختلافات بين أحمد فهمي الكوميديان، وأحمد فهمي الممثل الدرامي.

ابتعد مسلسل "سفّاح الجيزة" عن البيئة المصرية لدرجة جعلت منه حكاية مصرية لا شيء مصري فيها سوى اللهجة

وبرأيي أن أحمد فهمي الكوميديان أكثر حضورًا وتنوعًا وغزارة من أحمد فهمي الذي يخطو في عوالم الشخصية الدرامية المركبة، إذ يمكن تجاهل حالة الرتابة في الأداء التي كان يحاول فهمي إظهارها على أنها برودة أعصاب، باستثناء بعض الصحوات القصيرة خلال لحظات القتل، بينما سيطر "المونوتون" على أدائه رغم أن الشخصية الحقيقية متهم بانتحال شخصيات عدة. لكن أحمد فهمي ظهر، في كل الشخصيات، برتم واحد ولغة انفعالية متطابقة. وبالطبع ليس من الضروري إظهار شخصية مختلفة مع كل انتحال، لكن الشخصية الرئيسية لم تظهر أي تحولات عميقة في السلوك. ومع أن المشهد الأخير كان فرصة ذهبية لإبراز تلك التحولات، لكنه جاء إنشائيًا ومفاهيميًا ومباشرًا. 

وأخيرًا، لابد من الإشادة بالأداء الاستثنائي للنجم باسم سمرة الذي يُظهر في كل تجربة إمكانياته كممثل بطريقة ساحرة غير معتادة: التقنين والهدوء الانفعالي، والسمات قوية الحضور لشخصية المحقق من الداخل والخارج. وكذلك الأمر مع الممثلة حنان يوسف، التي نجحت في إظهار تقلبات الشخصية ببراعة، وإظهارها وكأنها تقف في الوسط بين ماضيها وحاضرها. ناهيك عن الممثلة الشابة ركين سعد وقدرتها الواضحة على حسن تقييم اللحظة الدرامية، ومايناسبها انفعاليًا.