22-أبريل-2018

يشتغل العمال في بنغلاديش عشرات الساعات بأقل الأجور وبلا أي حماية (نيويورك تايمز)

الملابس رخيصة الثمن نسبيًا، وتلك التي تباع في كبرى المحال تحت علامات تجارية غربية معروفة، وراءها قصص تكشف عن كُلف أغلى بمراحل مما ستدفعه لشراء قطعة من هذه الملابس؛ قصص أليمة في حق البشر والكوكب، تستعرض صحيفة نيويورك تايمز إحدى جوانبها في مقال ننقله لكم مترجمًا في السطور التالية، يوضح جانبًا من جرائم شركات الملابس في بنغلاديش، التي تعدّ مركزًا عالميًا لمعامل شركات الملابس الكبرى. 


تعتبر بُلبُلي واحدة من بين الملايين من الناس الذين يعملون في مصانع بنغلاديش التي تورد الملابس إلى بقية العالم. وهي أيضًا واحدة من الآلاف الذين عملوا في مبنى رانا بلازا، في سافار، عندما انهار منذ خمس سنوات، وأسفر عن وفاة  أكثر من 1100 شخص، وأصيب أكثر من ألفين بجروح.

تعد بنغلاديش مركزًا لتوريد الملابس لبقية أرجاء العالم، لولا أن ذلك يتم دون معايير، ما أدى لحدوث كوارث بيئية

ويروي الناجون تلك اللحظة بالطريقة نفسها: انطفأت الأضواء في الدقائق الأولى من نوبة الصباح، ثم بدأت المولدات في إحداث ضجيج، واهتزت الجدران، ثم انهار السقف وسقط. ثم انتشرت الجثث في كل مكان، وبعد ذلك ساد الظلام الدامس.

اقرأ/ي أيضًا: صديقي البنغلاديشي

بعد بضعة أسابيع، بدأ بعض أكبر تجار التجزئة في العالم في توقيع اتفاقية مع الاتحادات المحلية، فيما يتعلق بمعايير سلامة العمل. وقد حاول هذا الاتفاق إلقاء الضوء على الظروف الخطيرة في الداخل، وفي الخارج، وبالتحديد في منطقة سافار الصناعية، حيث أسهمت المصانع والمدابغ ومعامل الصباغة -كلها عناصر أساسية في سلسلة التوريد العالمية- في حدوث كارثة بيئية، إذ أصبحت كل الأراضي الرطبة وقنوات وشوراع سافار المسدودة بالنفايات السامة، أرضًا خصبة لتكاثر البعوض والأمراض.

قمنا بزيارة إلى سافار في العام الماضي، لرؤية ما الذي تغير وما الذي لم يتغير في السنوات التي تلت كارثة رانا بلازا، لنرى كيف أن منزل محمد معين الدين وزوجته رقية، قد غمر بالمياه السامة. ولم يكن المنزل الوحيد بالطبع الذي حدث فيه ذلك.

وتعد بنغلاديش أكبر مصدر للملابس بعد الصين. وقد اعتمدت في ذلك على توفير تكاليف المصنعين عن طريق دفع أقل حد للأجور في العالم. كما أنها غالبًا ما تغض الطرف عن القوانين والاتفاقيات والمعايير التي تحمي العُمّال والبيئة، وفي الوقت نفسه ترفع أسعار المنتجات.

ويوجد في بنغلاديش مجموعة معقدة من القوانين واللوائح، التي كثيرًا ما تنتهك، كما أنها تسمح لأنواع مختلفة من المصانع للعمل وفقًا لمعايير مختلفة.

وقد تفاقمت المشاكل بسبب الفقر المدقع في بنغلادش، والذي يدفع بالملايين من الأطفال إلى التسرب من المدارس والانضمام إلى القوى العاملة. وكثيرًا ما يكذبون للالتفاف حول سن العمل القانوني، فعندما سألنا الذين كانوا يخيطون شعار مدينة نيويورك (NYC) على القمصان عن أعمارهم، أشاحوا بوجوههم عنا.

تعد بنغلاديش أكبر مصدر للملابس في العالم، بعد الصين. وللوصول لهذه المرتبة، اعتمدت على دفع أقل حد للأجور للعمال في العالم

وفي أحد المصانع، اعترف لنا المالك قائلًا: "لا يمكننا اتباع جميع القواعد، ولا حتى تلك المتعلقة بتوظيف الأطفال. إذا اتبعنا القواعد، سنضطر لرفع الأسعار". كانت ورديات عمل بُلبُلي لا تقل عن ثماني ساعات، وهي تشارك في خياطة جزء واحد في أكثر من ثلاثة آلاف سروال ينتجها مصنعها يوميًا.

اقرأ/ي أيضًا: بواقي التصدير في مصر.. طريق "الغلابة" إلى ملابسهم

ويزداد التلوث الذي تسببت به المصانع سوءًا، حيث نقلت المدابغ من العاصمة داكا إلى سافار، في محاولة لإنقاذ نهر بوريجانجا، وهو شريان الحياة لدكا، الذي تزداد مياهه تلوثًا بشكل متسارع. 

تزداد سماكة مياه نهر بوريجانجا في بنغلاديش من فرط التلوث (Barcroft)
تزداد سماكة مياه نهر بوريجانجا في بنغلاديش من فرط التلوث (Barcroft)

هذا وتصل قيمة صناعة الدباغة في بنغلاديش إلى مليار دولار، ويمكن أن يتسبب التعرض للمواد الكيميائية المستخدمة لمعالجة الجلود في مشاكل صحية خطيرة.

وفي حين أن العديد من الناجين من كارثة رنا بلازا، الذين التقينا بهم في رحلتنا العام الماضي، وجدوا وظائف في المصانع، لكن لا يزال البعض منهم يناضل من أجل الحصول على العمل والتعويض.

وقد جعل آخرون مساعدة الضحايا قضيتهم. مثل محبوب حسن ريدوي، الذي ظل تحت الأنقاض 20 ساعة. يقول محبوب إنه الوحيد الذي نجا من بين أفراد القسم الذي كان يعمل فيه. وعندما التقينا به، كان ريدوي يعمل في صيدلية، وكان مصممًا على تسليط الضوء على الناجين.

تساءل محبوب ريدوي عن المبالغ الضخمة التي تلقتها الحكومة، قائلًا: "لقد استغلوا حادث رنا بلازا. نحن بحاجة إلى تحقيق شامل".

وعملت ريخا أختر في رانا بلازا منذ أن كانت في الـ13 من عمرها. وقد أصيب ذراعها في الكارثة، وعندما رأيناها لم تكن تستطيع تحريكه بشكل جيد. قالت أختر، إنها لا تتذكر العديد من أحداث ذلك اليوم.

وقد أُصيب زوجها محمد سيف الإسلام في الانهيار أيضًا، وهو الآن مصاب بدوار وغير قادر على القيام بعمل يتطلب منه الوقوف لفترات طويلة.

فيما خسرت شيلبي أختر ذراعها في رانا بلازا، فقد كانت أسفل آلة الخياطة عندما انهار السقف. وعندما التقينا بها، كانت تتلقى تعليمها بدعم من امرأة ماليزية. ومثلها مثل ريخا أختر، لا تستطيع أن تتذكر الكثير مما حدث في ذلك اليوم.

تصل قيمة صناعة الدباغة في بنغلاديش إلى نحو مليار دولار. ومع ذلك فإنها لا ترضخ لأي معايير للمحافظة على حقوق العمال أو على البيئة

قالت أختر إنها لا تحلم بأن تكون طبيبة أو مهندسة. بدلًا من ذلك، أخبرتنا: "أحلم أن أعيش وفق شروطي الخاصة، وأن أكون مستقلة. لا أريد العودة إلى صناعة الملابس مرة أخرى".