25-يونيو-2019

تعتبر التجربة الإثيوبية تعبيرًا عن مسار التحول الديمقراطي في أفريقيا (Getty)

يذكُر تزفيتان تودوروف في كتابه الموسوم بـ"أعداء الديمقراطية الحميمون" بأنَّ الديمقراطية "تُعاني من الغلو الفاضح، والحرية فيها باتت طُغيانًا، والشعب تحول إلى كتلة يتم التلاعب بها، وتتحول الرغبة في تعزيز التقدم إلى روح صليبية". مما سبق، ظهرت إلى السطح دول كثيرة تقف سدًا منيعًا ضد التحول الديمقراطي، وإحداث نوع من الحكم الرشيد واحترام القانون ودولة المؤسسات، كما أنَّ تلك الدول ليست خارجية بل من داخل المنطقة، ضد أي دولة تنادي بالديمقراطية والتحول الديمقراطي السلس.

شهدت إثيوبيا في الآونة الأخيرة تحولاً دراماتيكيًا، فهي تسعى لأنَّ يكون لها دور ريادي في المنطقة، فالديمقراطية التي تتمتع بها نسبيًا تعطيها الأفضلية للعب ذلك الدور الإقليمي

إفريقيًا، تُعتبر إثيوبيا دولة الديمقراطية في القارة، فهي من الدول القليلة في القارة السمراء التي تنازل فيها رئيس عن السلطة، هيلي مريام ديسالين في 27 آذار/مارس 2018،  لرئيس وزراء آخر هو آبي أحمد (43 عامًا)، الذي يُعتبر أول رئيس وزراء من إثنية الأورومو، وأول رئيس وزراء من أصل مسلم يرأس حكومة في إثيوبيا، والده مسلم من الأورومو، وأمَّهُ مسيحية من إثنية أمهرا، ومتزوج من زوجة مسيحية من نفس الإثنية. ومنذ توليه منصبه في الثاني من نيسان/أبريل 2018، قاد أصغر رؤساء حكومات إفريقيا مجموعة من الإصلاحات الليبرالية في إثيوبيا، والتي يعزوها كثيرون لإنقاذ البلاد من خطر الحرب الأهلية، إضافةً إلى أنَّه قام باتباع النهج الديمقراطي في الحكم.

اقرأ/ي أيضًا: استقالات القادة والحكام.. رمال متحركة تنذر بالربيع الأفريقي

مما لا شك فيه، أنَّ الوضع في اثيوبيا معقد ومركب جدًا، عرقيًا وعقائديًا، وعلى مستوى الاندماج القومي، حيث أنَّه منذ مجئ آبي أحمد إلى السلطة قبل عام ونيف، قام بالعديد من الإجراءات العسكرية والأمنية، منها إزاحة بعض القيادات واستبدالها بقيادات من الأورومو، التي ينتمي إليها بطبيعة الحال، وتمكينهم في مفاصل الدولة، حتى يتمتع بقدر كبير من الأمن والديمومة، الأمر الذي تمخض منه تذمر كثير من الجماعات الأخرى، وبالأخص في الأمهرا. ولعل محاولة اغتياله في 24 حزيران/يونيو من العام الماضي في تجمع مؤيد له تُفسر ذلك الأمر. في جانب آخر، قام آبي أحمد بخصخصة عدد من الشركات التابعة للقوات المسلحة، واتهامها بالفساد. مما سبق، يمكن قراءة حيثيات وأسباب محاولة الانقلاب الأخير مساء السبت 22 حزيران/يونيو 2019، ضدّ زعيم ولاية أمهرا التي فشلت.

 يتمتع إقليم "أمهرا" بحكم ذاتي، ويترأس حكومته أحد أحزاب الائتلاف الحاكم، وهو حزب "شعب أمهرا الديمقراطي"، حيث تحدّث سكان المنطقة عن سماع دوي إطلاق نار في بحر دار عاصمة الإقليم على الرغم من أنَّ التفاصيل المتعلقة بالقتال ما زالت غير واضحة. فقد تدخلت الحكومة الفيدرالية وهدأت الأوضاع، بعد أنَّ تم إحباط المحاولة، التي قامت بها مجموعة تدعي أنَّها "قوة تغيير"، دون إضافةً تفاصيل أخرى.

تشمل إثيوبيا تسع أقاليم تُحكم فيدراليًا، وإقليم الأمهرا من أكثر المناطق اضطرّابا في إثيوبيا، حيث يشَهِد عِدة اشتباكات عنيفة من وقت لآخر، وقد تصاعدت وتيرة الأحداث في المنطقة عقب ظهور مطالب قومية لـ "قمانت" القومية التي تقطن في الإقليم، وكانت لها مطالب متعددة في المساواة في التوظيف وحكم المحليات بالإقليم، وهو ما اعتبره أبناء الأمهرا ورقة ضغط سياسي على الحكومة المحلية، وظلت تلك الخلافات تلقي بظلال سالبة في المنطقة من وقت لآخر، مما تسبب في نزوح عدد كبير من أبناء قومية "قمانت" إلى السودان عقب الاعتداء عليهم من قبل مسلحين في إقليم أمهرا، كما شّهِدت المنطقة العشرات من القتلى في اشتباكات عرقية قبل شهرين في الثالث من أيار/مايو 2019، الأمر الذي عزاه الكثيرون بأنَّه كان انتقامًا لأعمال عنف سابقة.

من قراءة الواقع، يرى القارئ الحصيف، أن إثيوبيا في الآونة الأخيرة شَهِدت تحولاً دراماتيكيًا، فهي تسعى لأنَّ يكون لها دور ريادي في المنطقة، فالديمقراطية التي تتمتع بها نسبيًا تعطيها الأفضلية للعب ذلك الدور الإقليمي، الدور الذي كانت تلعبه القاهرة قبل ثورات الربيع العربي، فقد نجح رئيس الوزراء آبي أحمد في تقريب وجهات النظر حول النقاط الخلافية بين إثيوبيا وإرتريا، إذ سادت اجواء تسامحية في علاقاتهما العدوانية، كما تبادل زعماؤها زيارات رسمية أكدت نية قيادة البلدين في عودة العلاقات وتصفية المشاكل بينهما، وعودة الروابط القديمة إلى سابقها، ما تمخض من ذلك إنهاء لحالة اللاحرب واللاسلم التي كانت عنوانًا لعلاقات البلدين لأكثر من عقدين.

إلا أنَّ الرياح أتت بما لا تشتهي السُفُن، فبدون تقديم أي إيضاحات منطقية أعلن النظام الإرتري إغلاق الحدود بين البلدين، فقد كان ذلك إيذانًا بقتل الجنيين الذي سعى آبي أحمد أنَّ تكون ولادته طبيعية من غير عُسر، فقد عادت العلاقة بين البلدين الى سابق عهدها، وبتعبير آخر، إنهاء شهر العسل الذي عاشته العلاقات بين البلدين.

في واقع الأمر، إثيوبيا عكس اريتريا وباقي الدول الإفريقية تمامًا، فالأولى تُعتبر دولة مؤسسات وحكم القانون ودولة الدستور والتعددية الحزبية والانتخابات، لذلك أصبحت الوسيط الوحيد الأفريقي في أغلب المشاكل التي تحدُث في المنطقة الإفريقية، كجنوب السودان، ودولة السودان في الأزمّة الحالية.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة جيوسياسية كبيرة حول السيطرة على النهر العظيم

 كل ذلك يُفسر حيثيات عملية الانقلاب الأخيرة في إقليم الامهرا. في هذا السياق، يشير بعض المحللين إلى ضلوع دولة الإمارات في دعم ذلك الانقلاب الفاشل بعد نجاح الوساطة الإثيوبية في تقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمّة السودانية، وتعطيل ممنهج من الامارات لقيام حكومة مدنية في السودان قد لا تتماشى مع سياسات الإمارات والرياض والقاهرة.

في الخلاصة، يمكن القول بأنَّ التغييرات التي قام بها آبي أحمد في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية أكسبته بعض العداء في هذه المؤسسات السيادية، والتي يُعتبر مصيرهُ مرتبطًا بها ارتباطًا وثيقًا، فكثيرًا ما تحدُث الانقلابات من قادة الجيش والاستخبارات في أغلب الدول، في جانب آخر لا تزال حكومة آبي أحمد تكافح لاحتواء أعمال عنف عرقية متزايدة، خصوصًا في إقليم الأمهرا، وكل ما يحدث في هذا الإقليم قد يوثر في إقليم التقراي، نسبة للحساسيات السابقة بين الاقليمين، وأن القائد رئيس الاستخبارات الذي قُتل في الاشتباكات هو واحد من أبرز قادة إقليم التقراي، أيضًا هذا الانقلاب مؤشر مُقلِق بأنَّ هذه الأحداث قد تصل إلى العاصمة أديس أبابا مع مرور الوقت، بالأخص أنَّ رئيس الأركان الجنرال "سياري مكونن" قُتل في منزله في أديس أبابا بالتزامن مع المحاولة الانقلابية الفاشلة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

مصر والسودان.. آفاق النزاع الكبير حول كيفية التعامل مع سد النهضة

سواكن السودانية.. محطة جديدة لحروب الإمارات لاستعمار موانئ البحر الأحمر