17-يوليو-2022
وكالة ناسا

صورة نشرتها وكالة ناسا

نغمة رنين الهاتف التي قررتها شركة آبل يعتمدها مئات الملايين. قبول هؤلاء جميعًا بتماثل الرنين الذي تصدره هواتفهم يعني، في وجه من الوجوه على الأقل، أن هذا الهاتف بات يشبه حقيبة غوتشي: مألوفة وشكلها متوقع، وثمنها مرتفع للغاية، ذلك أن اقتناءها يعني أن حاملها دخل نادي المنظورين.

تساوي هاتف آيفون من حيث وظيفته الاجتماعية مع حقيبة غوتشي، لا يقع حكمًا في صالحه. الهاتف مثل الحقيبة بات ضروريًا لكل الناس، لكنه لم يعد يؤدي وظيفته الأصلية التي وعدنا بها، أي تلك الوظيفة التي اختصته بأن يقدم لنا وعودًا بمنتج أكمل وأذكى وأقدر على تغيير حياتنا. لقد أصبحنا كائنات تحمل هواتف وحقائب يدوية في الوقت نفسه. أصبح الهاتف مثل الحقيبة اليدوية، ضروري لكنه لا يعدنا بالتقدم والتطور.

الرأسمالية صانعة وعود. وهي أيضًا صانعة حاجات. تخترع الحاجة وتفرضها على المستهلك. ورغم أن المستهلك يملك سلطة لا يستهان بها، إلا أن الرأسمالية تعمل على أحلامه

الرأسمالية صانعة وعود. وهي أيضًا صانعة حاجات. تخترع الحاجة وتفرضها على المستهلك. ورغم أن المستهلك يملك سلطة لا يستهان بها، إلا أن الرأسمالية تعمل على أحلامه. تغذي هذه القشرة الرقيقة في دماغه لتجعله كائنًا يجتهد لتحقيق أحلامه التي صنعتها له. والرأسمالية الأمريكية تحديدًا صانعة أحلام ممتازة. الأحلام التي تصنعها الرأسمالية الأمريكية تختلف جوهريًا عن أحلام الرأسمالية العالمية عمومًا. ففي حين تعدك شركة تويوتا بمنتج جيد وقادر على التواصل مع كل المستجدات التقنية، ويمكن له أن يخدمك أطول فترة ممكنة، تنحو الرأسمالية الأمريكية، بسبب من شعبويتها، ومن قلق من المستقبل يسكن نفوس الأمريكيين جميعًا، إلى تسويق الأحلام، ما نحلم به وما لم نحلم به بعد. لكن هذه الرأسمالية المبدعة في صناعة الأحلام، تمر كل بضعة عقود بأزمة مراوحة في مكانها. فتتضاءل وعودها، وتقف إبداعاتها في الممر الضيق الذي يمكن اختصار خطواته بما يتعلق بتحسين المنتج وإصلاح بعض أعطاله وهفواته الناجمة عن الاستعمال. هكذا لن تغير الكاميرا الجديدة في هاتف آيفون حياتنا. الكاميرا الموجودة في الهاتف القديم تؤدي الغرض. ولن يدفعنا تحسن أداء خرائط غوغل إلى اكتشاف مجاهل في الأرض لم نكن نملك لها خرائط. المسألة ببساطة أن الخرائط تحسنت، وبتنا نعرف ذلك.

على النحو نفسه، لن يغير التحسن في أداء سيارات الدفع الرباعي في نمط القيادة في المدن. قصاراه أن يسمح لمالك السيارة الحديثة هذه بالتشاوف على الآخرين: أستطيع أن أكتشف بسيارتي قمم جبال الأنديز، لكنني لا أملك الوقت ولا الرغبة، الآن، في خوض هذه المغامرة. مع أن السيارة جاهزة لهذه المغامرة. في الأثناء أكتفي بقيادتها من المتجر إلى المنزل ومنه إلى العمل. وهي في ذلك تشبه كل السيارات الأخرى، التي تؤدي الوظيفة نفسها من دون زيادة أو نقصان.

ما التغييرات التي ستطرأ على حياتنا بعد مشاهدتنا لهذه الصور؟ الجواب هو لا شيء. لا شيء مطلقًا. ذلك أن صور وب ليست أكثر من حجر أساس في صناعة أحلام جديدة

أزمة صناعة الوعود هذه تبدت أكثر مما تبدت في ردود الفعل على صور تلسكوب وب. حسنًا لقد صور نجومًا تبعد عنا مليارات السنين الضوئية، وهذا فتح في العلوم لا سابق له. إنما ما الذي يعنينا من هذا كله؟ وما التغييرات التي ستطرأ على حياتنا بعد مشاهدتنا لهذه الصور؟ الجواب هو لا شيء. لا شيء مطلقًا. ذلك أن صور وب ليست أكثر من حجر أساس في صناعة أحلام جديدة. لكنها بالطبع، وبالقطع، لم تصبح أحلامًا بعد. لكننا ونحن نشهد نضوب الأحلام ومراوحة الوعود في مكانها منذ عقد على الأقل، نريد أن نختلق أحلامًا يمكن للرأسمالية أن تحققها قريبًا. نتأمل في الصور، ونفكر أن هذا الخرق العلمي سيعود بالفائدة على البشر. صحيح. لكننا لا نعرف حتى اللحظة ما هي الفائدة هذه. إننا، بهذا السلوك، نريد أن نكون مؤمنين. مؤمنون بقوة العلم وقدرته على صناعة الوعود وتحقيق الأحلام، حتى لو كان الوعد ضبابيًا والحلم بعيد المنال. وفي إيماننا هذا لا نفعل شيئًا أكثر مما يفعله المؤمنون بالغيب. ننتظر وحيًا، أو علامة، أو ظهورًا. وبهذا الانتظار نتحايل على وقائعنا التي باتت مكررة إلى الحد الذي يشبه تكرارنا لطقوس قهوة الصباح.