24-أغسطس-2023
شابة تتصفح المنصات في موبايلها

(Getty) شابة تتصفح المنصات في موبايلها

يسير الزمن في اتجاه واحد بسرعة عجيبة، لا يمكن العودة إلى الخلف ومن غير الممكن الضغط على زر الإيقاف، ما انفك البشر يحاولون فهم كنه الزمن، الفيزيائيون مهووسون بتحويله إلى بُعدٍ ملموس، الشعراء يخوضون في أزمنته السالفة والمستقبلية، الأدباء والعلماء والمفكرون يجذبون المستقبل البعيد إلى بساط الواقع، يحولون المستحيل إلى ممكن، والخيال إلى حقيقة.

إذن، متى يتوقف الزمن؟

عندما توصّل توماس أديسون إلى اختراع كاميرا الصور المتحركة، استنادًا إلي نظرية الغرفة السوداء للحسن بن الهيثم، دفع هذا الفتح العظيم والطفرة الابتكارية الإنسانية بعيدًا نحو عوالم لم تخطر لها على بال. حقق لهم أديسون المستحيل، وأصبح الآن بإمكان البشر إيقاف الزمن والقبض عليه وحبسه وتسجيله على شرائط وشرائح إلكترونية. ليس بإمكان الزمن الهرب من جديد. أصبح قيد الحبس المؤبد لنختار منه ما نريده أن يبقى ونحذف ما لا نطيق استذكاره.

أصبح بإمكان البشر إيقاف الزمن والقبض عليه وحبسه وتسجيله على شرائط وشرائح إلكترونية. ليس بإمكانه الهرب من جديد. بل صار قيد الحبس المؤبد لنختار منه ما نريده أن يبقى

بات الزمن سجينًا أبديًا ونحن البشر السجانين.

يتبع الكثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي المثل القائل: "الكتاب يبان من عنوانه"، خاصة تلك المنصات التي تهتم بصورة مبالغ فيها برصد منتظم للفعاليات والأنشطة اليومية للمستخدمين مثل انستغرام، وبالتبعية يشعر هؤلاء بضرورة ملحة للوجود وحاجة ماسة للاعتراف بهم وتقديرهم من غيرهم من المستخدمين، وهذا الأمر يتطلب الظهور في أفضل صورة وأجمل فيديو وأسعد لحظات، لتنعكس صورة مزيفة عن حياة مترفة خالية من المشاكل والصراعات.

يتباه المُحبّون (الكابلز) بصور وفيديوهات يومية عن حياتهم وعلاقتهم الرومانسية الناجحة، بينما يحتفل الآخرون بإنجازات يومية ربما غير حقيقية، سيل من المدخلات اليومية إلى عقولنا تجعلنا نقارن بؤسنا المستشري في كل تفاصيل حياتنا بالآخرين الذين تكتظ حيواتهم بكل ألوان البهجة والسرور ويحييون في جنة مثالية.

هذا السلوك مؤذ ومدمر لأنه يربط بين مفهوم السعادة والنجاح والاستمتاع وبين ضرورة الاعتراف بهذه السعادة والنجاح من الآخرين، ليشعر أصحابها بالتقدير، فالشخص الذي يبدو واثقًا على صفحته قد يكون شخصًا انطوائيًا في الحقيقة غير قادر على المواجهة، والذين يتباهون بعلاقتهم الرومانسية قد يكونوا فاقدين الثقة بشركائهم، ويخوضون صراع يومي للرغبة في إنهاء العلاقة والخوف من نظرة المتابعين لما بثوه في نفوسهم من أكاذيب ونفاق، والذين يندمجون في أنشطة جماعية يومية ويذهبون إلى الشواطئ والمسارح والنوادي الليلية وحفلات الموسيقى، ربما يعانون من الوحدة والشعور بالرفض.

يقع هؤلاء في معضلة صعوبة الارتداد، يعيشون في الوهم ويزداد اكتئابهم ويتراكم داخليًا، ولا يقدرون على الشكوى أو مشاركة لحظات حقيقية تظهر ضعفهم الإنساني الطبيعي أو مخاوفهم أو هزائمهم، بينما يسلكون هذا المسلك يضرون غيرهم ممن ينظرون إليهم ويخضعون أنفسهم لمقارنة ظالمة ويسعون لمحاولة النهوض بحياتهم أو على الأقل تزييف حياة سعيدة ولقطات مثالية قادرة على منافسة الآخرين.

يربط آخرون بين تحقيقهم لذاتهم وهروبهم من الفشل وبين عدد المتابعين وعدد التفاعلات التي يمكنهم الوصول إليها على صفحاتهم، فيدمنون على ضغطات الإعجاب ويرغبون كل يوم في زيادة الجرعة، وبالتالي عليهم أن يكونوا حاضرين دومًا ويقدمون محتوى يعجب المتابعين ويجذب المزيد من الضغطات، لا يهم إن كان كاذبًا أو مزيفًا أو ساذجًا أو سخيفًا، المهم أن تزداد الإعجابات، ومن هنا يزداد شعورهم بالعزلة والاكتئاب في اليوم الذي لا يتلقون فيه الإعجابات الكافية، فينطلقون نحو المزيد من التفاعل ويزيدون الجرعة.

ولأن شركات التواصل الاجتماعي أدركت هذا الأمر مبكرًا، باتت تتلاعب بالمستخدمين، فتقلل وصول المنشورات تارة، وتعاقب البعض تارة أخرى بمنعه من الكتابة والتعليق، ثم تستنزف المستخدمين ماليًا كأي تاجر مخدرات، فمن يريد وصول منشوراته إلى أكبر عدد من المستخدمين ويتلقى الجرعة اليومية من الإعجابات، فعليه أن يدفع النقود للشركات.

السؤال الذي يجب أن نسأله حقًا: عندما نتظاهر بالسعادة على الإنترنت، فهل نحن سعداء حقًا؟ وهل الآخرون سعداء كما يبدون في صورهم؟

 

بينما كنت أبحث في مفهوم السعادة لدى الفلاسفة والمفكرين، قفز في وجهي رأي الفيلسوف الألماني شوبنهاور الذي يرى أنه لا توجد حالة دائمة من الرضا الكامل في الحياة، فالسعادة، بحسبه، هي الغياب اللحظي للاستياء والمعاناة، ولكن لا وجود ولا متعة يمكن أن تدوم طويلًا بما يكفي حتى يمكن تسميتها السعادة، ومن هذا المنطلق يجد شوبنهاور أن السعي وراء السعادة هو التعاسة بعينها.

السؤال الذي يجب أن نسأله حقًا: عندما نتظاهر بالسعادة على الإنترنت، فهل نحن سعداء حقًا؟ وهل الآخرون سعداء كما يبدون في صورهم؟

هذا الارتباط بين السعادة ونظرة المجتمع ورضاه، ليست بالفكرة الجديدة، فبالعودة لزمن قريب، تحديدًا إلى مونولوج صاحب السعادة الذي كتبه أبو السعود الأبياري وأدّاه إسماعيل ياسين، نجد أنه ناقش الفكرة ذاتها من خلال طرح بسيط وتجاري لثلاثة نماذج من البحث عن السعادة أودت بأصحابها إلى التعاسة، الأول لرجل ثري يحقق كل ما يرغب عن طريق المال، لكنه دومًا يشعر بالنفاق ولا يسعد بمشاعر الحب والاهتمام المزيفة التي يتلقاها من الآخرين، والنموذج الثاني للبحث عن السعادة عن طريق الدخول في علاقة عاطفية ليكتشف بعد أيام خيانة حبيبته، أما المثال الأخير فقد اختار الاستقرار ربما يحقق له ما يريد، فتزوج من فتاة ليس بينهما أي توافق فكري فتحولت حياته لجحيم.

ربط الأبياري بين السعادة ورضا المجتمع من خلال جملة واحدة مكررة في الأغنية "ناس قالوا لي إن السعادة في..."، فالرجل لم يبحث عمّا يريد حقًا بل عمّا يريده الناس الذين قالوا له!