11-يوليو-2018

الولادة والجنازة بابان على ثقافة الموت والحياة عند المجتمع النوبي في مصر (الغارديان)

للمجتمع النوبي في مصر مفردات شعبية مختلفة عن المفردات الشعبية في أي مكان آخر بمصر، ربما يعود هذا الاختلاف إلى موقعه الجغرافي وعزلته الأولى قبل التهجير، وتمسكه بفطرته الشعبية بعيدًا عن الحداثة ومظاهرها، التي وإن مسه منها نذر يسير، فقد أدخلت إليه روح المدينة بعد التهجير، وبعض أدواتها ومفرداتها، وكذلك شيئًا من خدماتها المؤسساتية. 

للمجتمع النوبي في مصر، مفردات شعبية تختلف عن أي مفردات شعبية لأي تجمع بشري آخر في مصر

وبمناسبة أسبوع الثقافة النوبية، اخترنا الحديث عن الحياة والموت في عمق تلك الثقافة من خلال العادات أثناء الحمل والولادة وفي الجنازات. وتكشف هذه العادات عن ارتباط الثقافة النوبية في مصر بمحيطها الجغرافي الذي انتزعت منه ولم تملك التعويض عن وجوده أبدًا. 

الحمل والولادة.. المرأة هي الأرض وأصل الحياة

مكان الالتقاء يسمى "الديوان"، وهو المكان الذي يقضي فيه العروسان أيامهما الأول في ضيافة أم العروس، ويتم إخلاء سبيل العريس المجبر في أيامه السبعة الأولى على عدم مغادرة المكان، في اليوم السابع، حيث يستطيع أن يقضي مصالحه وأن يقابل أصدقاءه.

اقرأ/ي أيضًا: الزواج النوبي.. التزام بالجذور والذاكرة

وترعى أم العروس ابنتها في تلك الأيام الأولى مع زوجها لاعتقادها بتأثيرها الكبير على "الحمل" والخصوبة عند ابنتها. وتساعدها في تلك المهمة الماشطة أو القابلة (الداية)، وهي التي تكون، حسب التقليد الشعبي، حاضرة يوم فض بكارة العروس والذي لا يزال يتم بشكل يدوي حتى الآن، حسب الطقوس القديمة.

وتتولى النسوة (أم العروس وكبيرات السن من العائلة، والقابلة) منع دخول كل من يشتبه في التسبب بالمشاهرة. والمشاهرة مشتقة من الكلمة العربية "شهر"، والفكرة الأساسية التي ترتبط بهذه الكلمة يمكن تلخيصها بأنه إذا تمت بعض الأفعال قبل ظهور القمر الجديد معلنًا عن بدء شهر قمري جديد، فإن الضرر سيلحق بالشخص الذي يمر بأزمة، وهو ما يرجعونه إلى بعض العلل، منها تأخر الحمل أو امتناع أو جفاف اللبن في صدر المرضعة. وتحتاط النسوة بالأححبة والصور الغريبة المعلقة على الحوائط، وبحزم الخضار، وقطع الجريد الأخضر.

ومارس هذا المجتمع بعض العادات للتعامل مع تأخر الحمل، فكانت العروس تخرج للمقابر يوم الخميس قبل الغروب، وتقف عند قبر طفل صغير، تدور حوله سبع دورات، وتأخذ بعض التراب معها عند عودتها، وبعض الحصى الأبيض المنتشر حول القبر، وتوصى بألا تكلم أحدًا، ثم وعند عودتها إلى البيت تأخذ التراب وتضعه في الماء، وترش المزيج على وجهها، وتنقع الحصوات في ماء بحوش منزلها، ثم تستحم بماء الحصى.

كما يُعتقد بأن إفزاع من تأخر حملها، بمفاجأتها بإلقاء حشرة في حجرها أو شيء من الزواحف الميتة، أو إلقاء الماء في وجهها بشكل مفاجئ، يُغير حالة الجسد النفسية والفسيولوجية للتخصيب!

ومن العادات المثيرة كذلك، رفع من تأخر حملها من مقعدتها وقلبها على ظهرها، وهو أمر كما تقول إحدى القابلات، يتم بالاتفاق مع القابلة، لأنه "مش أي حد بيعرف يعملها". والهدف المُعتقد من وراء ذلك، عدل مكان الرحم إن كان مقلوبًا أو ملتصقًا بظهرها.

يُعتقد في التقليد النوبي أن إفزاع المرأة التي تأخرت في الحمل، قد يغير حالتها نفسيًا وفسيولوجيًا للتخصيب

وبالنسبة للحوامل، فإن الوَحم، أو اشتهاء طعام ما بشكل مُلح، ارتبط في المجتمع النوبي بطمي النيل، أي اشتهاؤه، وكذلك قطع الصمغ التي كانت الحوامل تلتقطع من جذوع أشجار السنط. والوحم في النوبية يُسمى "إنجستي".

اقرأ/ي أيضًا: رحلة جهاز العروس المصرية.. من الدكة النحاس إلى النيش

وثمة اعتقاد نوبي، تشترك فيه بعض المجتمعات الريفية المصرية، بأنه لا يدخل على التي ولدت توًا، من قام بأعمال يُفترض أنها عادية، مثل حلق شعر الرأس أو الذقن أو قص الأظافر، أو من استقبل أو غسل ميتًا، أو من عاد من مجلس عزاء، أو من يحمل عند دخوله شيئًا من اللحم النيئ أو الباذنجان، أو من عبر نهر النيل أو إحدى ترعه. ويُعتقد أن هذه الأشياء، إذا دخل من قام بها على الواضعة حديثًا، قد يصيبها بجفاف لبنها أو فقدان شهيتها بدرجة ما.

بعض هذه العادات والتقاليد، صُرف الناس عنها بأثر الحداثة بدرجات متفاوتة، وتناقصت أعداد المعتمدين على الدايات، في مقابل الاعتماد على المستوصفات الطبية في المدن المجاورة للقرى النوبية الأبرز، والتي هي في النهاية بالنسبة للنوبيين من أرض المهجر.

عادات الموت.. أو العبور إلى الغرب عند النوبيين

يمكننا تتبع علاقة المعتقدات الأولى للفراعنة في تشييع الجنائز، عند النوبيين، حيث يعد النعش بطريقة خاصة إذا كان لامرأة. ويُسمى النعش بالنوبية "كورندي"، ويكون عبارة عن سرير أو "عنجريب" بالنوبية، يُغطى من جوانبه بالجريد، ويغطى جسد الميت بملاءة. 

وهناك اعتقاد بأن الشمس "ذكر" لا يجب افتراش جسد المرأة أمامه، وهو اعتقاد موغل في القدم، حيث إن إله الشمس عند القدماء من المصريين هو "رع" المقدس.

وكان النوبيون يضعون فخارًا مملوءً بالماء على جانب القبر. وتغطى المقبرة بحصوات صغيرة ملونة. وعلى الرغم من أنهم يقولون إن الفخار يُملأ بالماء لكي تشرب منه الطيور، إلا أن الباحثين يرون الاعتقاد يعود إلى الأسرة الثالثة الفرعونية التي عاصرت فكرة الانتقال الأول، حيث توضع الأواني الفخارية داخل النعش، ولكن بعد تغير المعتقدات، باتت الأواني توضع بالخارج.

بعد الوفاة تؤخذ الملاءة التي كانت تغطي جسد الميت إلى أهله، فتأخذها زوجته صاحبة البيت، وتغير المكان الذي كانت فيه ولو بخطوة واحدة. ولا يجوز للمعزين الانصراف إلا بعد وصول المشيعين بالملاءة، وهو أمر حاول الباحثون تفسيره على أن الملاءة رمز لانفصال الميت عن الحياة، واستقرار روحه في مكانها الجديد.

ذهبت الكثير من تقاليد المجتمع النوبي في مجاري الحداثة، لكنها لا تزال تتمسك بوجودها بشكل مذهل، وبفخر لا يخفيه أهلها

ومما لا يعرفه أهل المدن عن تقاليد العزاء النوبي، أن النسوة يتولين الإطعام، ولكنهن يصنعن أكلة تقليدية للأطفال وهي "كابيدة العسل"، وهي عبارة عن مخبوز من دقيق القمح يوضع في صحن مقعر ويصب عليه عسل البلح المخلوط بالسمن. ويأكلونه عند مدخل البيت الذي يقام فيه العزاء.

قد يبدو المجتمع النوبي منعزلًا اليوم أيضًا، إلا أنه ينطوي في داخله على حياة كاملة، وبسيطة، وتقليدية، ذهبَ الكثير منها في مجاري الحداثة، إلا أنها لا تزال تتمسك بوجودها بشكل مذهل، وبفخر لا يخفيه أهلها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أجمل 6 أعياد شعبية في أفريقيا

4 تقاليد فريدة لنساء صحراء المغرب.. منها الاحتفال بالطلاق!