03-ديسمبر-2023
نهب وسرقة المكتبات الفلسطينية

شكّل نهب وتدمير المكتبات جزءًا أساسيًا من مساعي الصهاينة لمحو ذاكرة فلسطين وتاريخها (الترا صوت)

في سياق سعيها لمحو ذاكرة فلسطين وتاريخها بهدف تهويدها وطمس هويتها، بعد قتل وتهجير أكثر من نصف سكّانها في واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي في التاريخ الحديث؛ قامت العصابات الصهيونية (والجيش الإسرائيلي فيما بعد)، خلال النكبة وبعدها، بتدمير ونهب وسرقة عدد كبير من المكتبات الفلسطينية الشخصية والعامة خاصةً في مدينة القدس، حيث كان يقيم الكثير من الأدباء والعلماء والمثقفين الفلسطينيين الذين تعرّضت بيوتهم للنهب بعد تهجيرهم منها، وكانت مكتباتهم في مقدمة ما نُهب بوصفها جزءًا من تاريخ لا بد من إسكاته.

في كتابه "بطاقة ملكية: تاريخ من النهب والصون والاستيلاء في المكتبة الوطنية الإسرائيلية" (طبعة مشتركة بين مركز مدار والدار الأهلية، 2016، ترجمة علاء حليحل)، يقول الإسرائيلي غيتش عميت إن عمّال المكتبة الوطنية الإسرائيلية جمعوا نحو 30 ألف كتاب وصحيفة ومخطوطة، بين أيار/مايو 1948 ونهاية شباط/فبراير 1949، تركها خلفهم فلسطينيون من سكان القدس الغربية.

ويذكر عميت أن عمّال "الوصيّ على أملاك الغائبين" جمعوا خلال عام 1948، والأعوام التي تلته، نحو 40 ألف كتاب من مدن فلسطينية مختلفة كانت في معظمها كتب تعليمية جُمعت (نُهبت) من مدارس ومؤسسات تعليمية وتربوية عديدة، وحُفظت في مخازن أُقيمت لهذا الغرض. وبينما جرى بيع جزء منها للمدارس العربية، ونقل جزءٍ آخر إلى المكتبة الوطنية الإسرائيلية، قامت سلطات الاحتلال بإتلاف ما تبقى منها، أي حوالي 26.315 كتابًا، بدعوى أنها تمثّل خطرًا أمنيًا قد يُلحق الضرر بـ"الدولة".

شكّل نهب وتدمير مكتبات الفلسطينيين جزءًا أساسيًا من محاولات الصهاينة لتهويد فلسطين ومحو ذاكرتها وتاريخها

ويؤكد الباحث الإسرائيلي أن الانشغال في نهب الأملاك الفلسطينية بين 1948 – 1949 احتل مكانة مركزية في الخطاب الإسرائيلي آنذاك، وأن عملية النهب والسرقة كانت واسعة الانتشار بشكل ملحوظ أثناء الحرب وبعدها. وسبق أن ذكرت صحيفة "هآرتس" في تقرير نشرته عام 2012، بأن عمليات النهب والسرقة تمت تحت حماية جيش الاحتلال. بينما كشف فيلم وثائقي بعنوان "سرقة الكتب الكبرى" للمخرج الإسرائيلي السويدي بيني برونر أن سرقة مكتبات الفلسطينيين تمت بالشراكة بين كلٍ من الجامعة الإسرائيلية، والمكتبة الوطنية، و"الهاغاناه".

ونهب الصهاينة بين أيار/مايو 1948 ونهاية شباط/فبراير 1949، نحو 30 ألف كتاب من القدس تعود ملكيتها لأدباء وفقهاء ومثقفين فلسطينيين. كما قاموا بنهب آلاف الكتب من مدارس ومؤسسات تعليمية وتربوية عديدة تنوعت بين مجالات واختصاصات مختلفة، مثل الفقه والشريعة وتفسير القرآن والعلوم والأدب والعربي والمترجم والتاريخ والفلسفة وغيرها.

لم يقتصر نهب وسرقة المكتبات على النكبة وما بعدها، حيث قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد احتلاله للضفة الغربية وقطاع غزة عقب نكسة حزيران/ يونيو 1967، بنهب وسرقة عدة مكتبات ومؤسسات ثقافية وتعليمية. وقد تكرّر الأمر أيضًا أثناء اجتياحه لبنان عام 1982، وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حيث نهب حينها مكتبات مؤسسة الحق، والمجلس التشريعي، وبلديات رام الله ونابلس وغيرهما.

وعلى مدار أكثر من 17 عامًا من الحصار والحروب، لم تكن مكتبات قطاع غزة بمنأى عن آلة الحرب الإسرائيلية التي دمّرت العديد منها بين 2006 – 2023، بينها مكتبات الجامعة الإسلامية، والأزهر، والقدس المفتوحة، إضافةً إلى مكتبة دار الفتوى، وسمير منصور، وبلدية غزة.

ولأن تدمير المكتبات وسرقتها جزءٌ رئيسي من محاولات "إسرائيل" تهويد فلسطين ومحو ذاكرتها وتاريخها، لا بد لنا من استعادة أبرز عمليات النهب والتدمير التي تعرّضت لها المكتبات الفلسطينية الشخصية والعامة.


مكتبة خليل السكاكيني

خليل السكاكيني (1878 – 1953) كاتب وصحفي وأديب فلسطيني يُعد من أبرز رواد التربية والتعليم الحديثين في فلسطين. ألّف العديد من الكتب في مجالات مختلفة، وترك يوميات تشكّل اليوم مدخلًا مهمًا لفهم تحولات فلسطين ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

جمع السكاكيني في بيته في حي القطمون بالقدس الغربية عددًا هائلًا من الكتب التي تنوّعت بين التربية والتاريخ والأدب والسياسة والعلوم. وقد شكّلت هذه الكتب واحدة من أهم المكتبات الشخصية التي كانت موجودة في القدس وفلسطين عمومًا قبل النكبة التي أبعدت السكاكيني عن مكتبته. ففي 30 نيسان/ أبريل 1948، هُجّر الأديب والمربّي الفلسطيني من منزله نحو مصر تاركًا خلفه مكتبته التي قامت العصابات الصهيونية بنهبها.

وفي كلمة ألقاها في النادي الأرثوذوكسي في مصر الجديدة في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، رثى خليل السكاكيني مكتبته وكتبه قائلًا: "الوداع يا كتبي! يعز عليّ أن أُحرم منك وأنا على أهبة الرحيل من هذه الدنيا. وهل يستطيع من كان مثلي على أهبة الرحيل والبقية الباقية من عمره لا تزيد عن أربعين أو خمسين سنة أن يُنشئ مكتبة جديدة؟ يعز عليّ أن أُحرم منك وقد كنت غذائي الروحي، وكنتُ ولا أزال شرهًا إلى هذا الغذاء".

 

مكتبة خليل بيدس

يُعتبر خليل بيدس (1875 – 1949) أحد أبرز أدباء فلسطين، ويُحسب له نقله للقصة الفلسطينية القصيرة إلى آفاق جديدة يشغلها الواقع وتطور حياة الناس اليومية. كما يُعد من روّاد الترجمة من الروسية إلى العربية، لا سيما أنه من المتأثرين بكبار الأدباء الروس مثل ألكسندر بوشكين وليو تولستوي وغيرهما.

وقد أنشأ بيدس مكتبة ثرية في بيته في حي البقعة الفوقا في القدس الغربية، بيد أنه أُرغم كغيره من الفلسطينيين على تركها خلفه خلال النكبة.

 

مكتبة إسحق موسى الحسيني

بنى الأديب واللغوي والمترجم والأكاديمي الفلسطيني إسحق موسى الحسيني (1904 – 1990) مكتبة ضخمة في بيته ضمّت أكثر من 4 آلاف مجلّد، تنوعت بين مجالات مختلفة كان مهتمًا بها، مثل اللغة والأدب والنقد الأدبي والتعليم والفكر العربي وتاريخ القدس. وقد كان مصيرها مشابهًا لمصير غيرها من مكتبات أدباء ومثقّفي فلسطين، إذ أكلتها النيران خلال اجتياح العصابات الصهيونية للأحياء الفلسطينية في القدس الغربية.

 

مكتبة نقولا زيادة

تنقّل نقولا زيادة (1907 – 2006) بين مدن عربية وأجنبية عديدة، بينها القدس التي عمل فيها حوالي 8 سنوات مدرّسًا للتاريخ في المدرسة الرشيدية ثم الكلية العربية، ويُعد اليوم من أبرز المؤرخين العرب، وواحدًا من رواد الفكر العربي.

وقد أنشأ زيادة خلال إقامته في القدس مكتبة غنية ضمّت كتبًا في مجالات معرفية وعلمية مختلفة نُهبت جميعها خلال النكبة.

 

مكتبة عجاج نويهض

عجاج نويهض (1897 – 1982) مؤرخ وأديب وصحافي لبناني عاش في القدس 25 عامًا، وأسس فيها مكتبة ضخمة اضطر إلى تركها خلفه أثناء مغادرته للمدينة نحو لبنان، على أن يعود بعد أن تهدأ الأوضاع في القدس، وهو ما لم يحدث بعد وقوع النكبة.

ولم يكن ليُعرف مصير مكتبته لولا سيدة فلسطينية زارت عمّان وأخبرته بأنها شاهدت: "عددًا كبيرًا من الشباب يعاونون بعضهم البعض، منهم من يقذف بالكتب من الشرفة إلى الحديقة، ومنهم من يجمعها، ومنهم من يوصلها إلى الشاحنة، في حين يتولى آخرون تكديسها فوق بعضها. ولم يتعبوا. استمروا على هذا الحال عدة ساعات، حتى تمكنوا من السطو على المكتبة كاملة. وقد علمت هي فيما بعد من السكان اليهود الذين احتلوا البيت بأنهم وجدوا خزانات الكتب كلها فارغة".

 

المكتبات العامة ومكتبات الدوائر الحكومية

نهبت العصابات الصهيونية العديد من المكتبات الشخصية الأخرى لأدباء وعلماء وفقهاء ومثقفين كُثر في القدس وعموم فلسطين، بينها مكتبة الشيخ أسعد الشقيري، والحاج راغب الخالدي، وعادل جبر، ومحمد إسعاف النشاشيبي، وعبد الله مخلص المقدسي، وغيرهم.  

كما أنها لم تكتف بسرقة المكتبات الشخصية، بل قامت أيضًا بنهب كتب دوائر حكومة الانتداب البريطاني، ومكتبات المساجد، والكنائس، والأديرة.

 

مركز الأبحاث الفلسطيني

مثّل "مركز الأبحاث الفلسطيني" الذي تأسس عام 1965 على يد فايز صايغ قبل أن يتولى شقيقه أنيس صايغ إدارتها عام 1968، هدفًا رئيسيًا لدولة الاحتلال بوصفه جزءًا من مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، وركنًا أساسيًا من أركان الرواية الفلسطينية التي سعت ولا تزال إلى تهميشها عبر سرديتها الزائفة التي سخّرت لها ترسانة أكاديمية ضخمة تضم باحثين ومفكّرين صهاينة.

ولذلك، تعرّض المركز لاعتداءات إسرائيلية عديدة، أبرزها نهب القوات الصهيونية لمحتوياته أثناء اجتياحها لمدينة بيروت عام 1982، بما في ذلك محتويات مكتبته التي كانت تشغل طابقين من مبنى المركز الذي كان مؤلفًا من 6 طوابق، والتي كانت تضم ما يزيد عن 20 ألف كتاب ومجلد باللغة العربية والإنجليزية والعبرية. ناهيك عن الوثائق والصور والمخطوطات والخرائط.

 

مكتبات غزة

دمّر جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه الحالي على قطاع غزة عدة مكتبات من بينها المكتبة العامة التابعة لبلدية غزة، ما تسبب بحرق وإتلاف ما تحتويه من كتب ووثائق تاريخية يزيد عمرها عن 100 عام، وتوثّق تاريخ المدينة وحضارتها ومراحل تطورها العمراني بحسب البلدية.

كما دمّر الاحتلال "مركز رشاد الشوا الثقافي"، غرب المدينة، الذي تم تشييده عام 1985، وافتُتح عام 1988، ويضم "مكتبة ديانا تماري صباغ" التي تُعد من أهم المعالم والمكتبات في المدينة.

وفي عام 2021، خلال معركة "سيف القدس"، دمّر جيش الاحتلال أيضًا مكتبة "سمير منصور" التي تقع في حي الرمال بمدينة غزة، وتُعد واحدة من أكبر المكتبات في المدينة والقطاع عمومًا.